الموصل مدينة منكوبة: ثمن تحرير باهظ على المدنيين
الموصل مدينة منكوبة: ثمن تحرير باهظ على المدنيين

العربي الجديد - "قيامة الموصل"، هكذا وصف الدكتور آدم سودارسون، أحد الأطباء الأوروبيين المتطوعين لإغاثة أهل الموصل، الوضع في المدينة العراقية. وذلك في وقتٍ يستمرّ فيه الضغط الميداني في المدينة، مؤثراً بالسلب على الأهالي. في الأسبوع الثاني على وجوده بين أنقاض المباني، بحثاً عن جرحى لنقلهم إلى مستشفيات ميدانية خارج المدينة، كشف سودارسون أن "الإعلام لم ينقل ربع حقيقة ما يجري في الموصل حتى الآن". وأضاف في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "قائمة القتلى تزداد كل يوم، والأمم المتحدة والمنظمات الدولية تتفرج فقط، وبغداد وواشنطن لا تريدان أي شيء سوى ربح المعركة". وقد سقط نحو 700 قتيل وجريح خلال أسبوع واحد، وفُقد أكثر من 150 شخصاً، كما أن عشرات آخرين ما زالوا تحت الأنقاض.
حفاة الأقدام بملابس بالية ووجوه شاحبة أعياها الجوع والعطش، كُتب لنحو 50 ألف مدني الفرار من مناطق المعارك إلى خارجها، ثم إيقافهم لساعات وعزل الرجال عن عائلاتهم، وإجبارهم على خلع ملابسهم والنوم على بطونهم ساعات عدة، قبل أن يسمح لهم بالمغادرة إلى مناطق المخيمات في صحراء الموصل. وجد سكان مدينة الموصل أنفسهم في قلب الاشتباكات بين تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) والقوات الأمنية العراقية وطيران التحالف الدولي، الذين لم يكترثوا لوجود مئات آلاف المدنيين المحاصرين داخل أحياء غرب الموصل.
في هذا السياق، أفاد طبيب داخل مركز صحي بحي اليرموك الذي يسيطر عليه "داعش"، في اتصال مع "العربي الجديد"، بأن "أكثر من 700 قتيل وجريح تم توثيقهم، وهناك أكثر من 150 مفقوداً، بينما يقدّر عدد الذين يقبعون تحت الأنقاض منذ أيام بأكثر من 200 مدني غالبيتهم في مناطق تماس بين القوات العراقية ومقاتلي تنظيم داعش". وعلى الرغم من مناشدات سكان الموصل المحاصرين بتجنيب عائلاتهم الاستهداف المستمر من قبل طيران التحالف الدولي وقصف قوات الأمن، إلا أنه قُتل، أمس الاثنين، 52 مدنياً وأُصيب ما لا يقل عن 70 آخرين بالقصف الجوي والصاروخي على حيين سكنيين. كما أن 6 عائلات ما زالت تحت أنقاض منازلها، في شارع البريد في حي المحطة، من دون معرفة مصير أفرادها.
وقد أبعد الجيش العراقي، أمس، عدداً من الصحافيين بلا سبب، وأبقى على آخرين، وذكرت مصادر محلية بمجلس محافظة نينوى أن "الحكومة أمرت بإبعاد الصحافيين الذين ينشرون أخباراً سلبية ولا يلتزمون بروايتها". وكانت قوات التحالف الدولي قد اعترفت بمقتل ما لا يقل عن 200 مدني من سكان الموصل بغارات نفذتها طائرات أميركية وفرنسية، معللة وقوع قتلى من المدنيين بأنها "أخطاء". وقد وجّه مسؤولون عراقيون نداءات عاجلة لقيادة التحالف الدولي لتجنيب المدنيين آثار الضربات الجوية.
من جهته، حذّر النائب في البرلمان العراقي زاهد الخاتوني، من وضع مأساوي لسكان الموصل، مشيراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الموصل باتت مدينة منكوبة بكل شيء ويمكن وصفها بمأساة العصر الحديث، والتصريحات الحكومية بشأن النازحين والاستعدادات قبيل بدء المعركة كانت خداعاً للرأي العام".
ولفت إلى أن "الحكومة أعلنت بدء المعركة من دون التحضير لعمليات النزوح، فضلاً عن وجود تقصير من قبل المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي لا تزال جهودها غائبة عن المشهد تماماً". وجدد تأكيده أن "الحديث عن وجود خطط للتعامل مع موجات النزوح في الموصل على الورق فقط، ولا وجود لها".
بدورها، طالبت عضو البرلمان عن مدينة الموصل انتصار الجبوري، في بيان لها، عقد جلسة طارئة لمناقشة ما يجري في الموصل. ووصفت الوضع بأنه "ينذر بكارثة"، محملة رئيس مجلس الوزراء وجميع الوزارات المعنية والأمم المتحدة ومكاتبها في العراق وحكومة نينوى المحلية هذا التقصير، و"ما يحدث لأهالي الموصل".
أما مستشار وزارة الهجرة العراقية محمد الموسوي، فكشف لـ"العربي الجديد"، أن "أعداد النازحين تتصاعد، ولدينا نحو 60 ألف نازح، غالبيتهم نساء وأطفال"، عازياً وضع النازحين المزري إلى "الإمكانيات المتواضعة لوزارته".
إلا أن مصادر محلية كشفت لـ"العربي الجديد"، عن "انعدام أبسط المساعدات الإنسانية في المخيمات التي أقامتها المنظمات الدولية والحكومة العراقية في مناطق حمام العليل والقيارة". وذكرت أنه "تجمّعت آلاف الأسر النازحة الفارة من مناطق غرب الموصل في مراكز أمنية أنشأتها القوات العراقية للتأكد من هويات الفارين، بعد عزل الرجال والشبان البالغين عن النساء والأطفال".
واضطرت الأسر النازحة للسير مسافة عشرة كيلومترات في طرق محفوفة بالمخاطر، بينما لم يحالف الحظ البعض منهم بالوصول إلى المناطق الآمنة في جنوب الموصل، وقُتل وجرح عدد من المدنيين بانفجار عبوات ناسفة وسقوط قذائف هاون على الطرقات التي سلكتها العائلات.